أدب

"رادار متنقل"..

الإبداع الرقمي.. انطلاقة عربية جديدة

قطع الإبداع العربي، فى ثوبه الرقمي، شوطًا لا بأس به على طريق النشوء والتشكُّل، وتضافرت إرهاصات فردية لمبدعين مصريين وعرب مع جهود كيانات ومؤسسات مثل "اتحاد كتاب الإنترنت العرب" و"مشروع الأدب الإلكترونى العربي" لدعم وترسيخ هذا الشكل الأدبى الجديد، الذى صار له وجود وتحقق فى سائر أرجاء العالم.
 
ويبدو أن الإبداع الرقمى العربى على موعد مع انطلاقة جديدة، تتمثل فى عقد مؤتمر دولى كبير للأدب الإلكترونى العربى بدولة الإمارات، فى فبراير المقبل، ليمثل أفقًا رحبًا لهذا النمط الإبداعى المستحدث، ولتضاف جهود المؤتمر إلى ما سبقه من فعاليات مشابهة، وما نهضت به الكيانات المعنية بدعم وتطوير الأدب الإلكترونى العربي.
 
و"الأدب الرقمي" هو نوع من الكتابة الأدبية يوظف المعلوماتية والكمبيوتر، تعود بداياته إلى أواخر الخمسينيات من القرن العشرين، وفق ويكيبيديا، ونشأ بالتزامن فى ألمانيا وفرنسا وكندا، لكن بدايته الحقيقية فى أواسط الثمانينيات بعد انتشار استعمال الحواسيب الشخصية، والقفزة التى عرفتها صناعة الوسائط المتعددة. 
 
ومن أبرز خصائص الأدب الإلكترونى "الرقمي" أنه يقوم بدمج الوسائط الإلكترونية المتعددة، نصية وصوتية وصورية وحركية، فى الكتابة، فى فضاء يسمح للقارئ بالتحكم فيه، ولذا سمى هذا الإنتاج أيضًا بالأدب التفاعلي، وفى أمريكا يتم استعمال مصطلح "النص المترابط"، وفى فرنسا هناك اصطلاح آخر هو "الأدب المعلوماتي"، باعتباره الجامع لمختلف الممارسات التى تحققت من خلال علاقة الأدب بالحاسوب والمعلوماتية.
 
والحقيقة، أن انعكاسات "الرقمية" تتبدى فى جوانب الحياة المختلفة فى عصرنا الراهن، ولذا كان أمرًا طبيعيًّا امتداد شواهد وآثار الثورة الرقمية إلى عوالم الأدب والإبداع، ليس من حيث أوعية التخزين والنشر والعرض فقط، بل من حيث الماهية الإبداعية ذاتها، وطبيعة المنتج، إذ انتشرت ألوان وتيمات إبداعية قوامها الرقمية كفلسفة وتقنية وثورة فنية فى وقت واحد، وتبلور مصطلح "الأدب الرقمي" أو "الأدب الإلكتروني"، الذى اندرجت تحت مظلته تجليات أدبية شعرية وسردية ومسرحية، تفاعلية غير نمطية، تحمل فى طياتها ما قد يراه البعض بداية النهاية الفعلية لعصر الورق.
 
وفى سياق دعم الإبداع العربى الرقمي، يأتى الإعداد لذلك المؤتمر الدولى الكبير للأدب الإلكترونى العربى بدولة الإمارات، فى فبراير 2018. ولمثل هذا الغرض نفسه، كان قد انطلق فى سبتمبر 2015، مشروع الأدب الإلكترونى العربى "AEL"، فى جامعة روتشستر للتكنولوجيا بنيويورك، تحت إشراف ساندى بالدوين، الأستاذ بجامعة روتشستر للتكنولوجيا، والمصرية ريهام حسني، الباحثة بالجامعة نفسها.
 
وقد أخد مشروع الأدب الإلكترونى العربى "AEL" على عاتقه تحقيق الكثير من الأهداف، من أهمها، وفق الباحثة المصرية الجادة ريهام حسنى فى تصريح لها، ذلك المؤتمر الدولى للأدب الإلكترونى العربي، المزمع عقده العام المقبل، بمشاركة باحثين من جميع أنحاء العالم، لبحث واقع وتحديات الأدب الإلكترونى عامة، والأدب الإلكترونى العربى بخاصة. 
 
ومن أجل تحقيق هذا المبغى، التقت لجنة من أعضاء هيئة تدريس جامعة روتشستر للتكنولوجيا، ومجموعة متميزة من الباحثين والفنانين من مختلف أرجاء العالم العربى بجامعة روتشستر للتكنولوجيا بدبي، لوضع تصوراتهم حول هذا المؤتمر، وحضر اللقاء من العرب: الباحثة ريهام حسني، الشاعر والكاتب أحمد فضل شبلول، الروائى السيد نجم، الدكتورة إيمان يونس، الدكتور محمد حبيب حسين، الدكتور يحيى حيدر، الدكتور يوسف العساف (رئيس الجامعة)، الدكتور خالد خواجة (نائب رئيس الجامعة)، ومن الأجانب: الدكتور ساندى بالدوين (عبر الإسكايب)، الدكتور جوناثان بيني، الدكتور إيان بتركن، الدكتور باتريك ليكتي، الدكتور جون دايتون، الدكتور ناصح عثمانوفيك.
 


وقد امتدت جلسات هذا الاجتماع ثلاثة أيام، خلال مارس الماضي، بهدف إنجاز عدة أهداف، وفق الباحثة ريهام حسني، هي: مناقشة الحالة الراهنة ومستقبل الأدب الإلكترونى العربي، خلق خطاب مشترك بين الباحثين والفنانين العرب والدوليين، مناقشة مناهج وتحديات تدريس الأدب الإلكترونى فى العالم العربي، تعزيز المناهج التى تدرس حاليًا فى جامعة روتشستر للتكنولوجيا بدبى فى هذا المجال، بالإضافة إلى الإعداد لعقد مؤتمر دولى عن الأدب الإلكترونى العربي، والذى سيكون الأول من نوعه، على أن يُعقد فى جامعة روتشستر للتكنولوجيا بدبي.

وقد خرج الاجتماع التحضيرى بمجموعة من النتائج التى تعكس أهداف المؤتمر، وتتوج جهود المصريين المشاركين فى الإعداد للمؤتمر. هذه النتائج، كما تسردها الباحثة ريهام حسني، هي: نشر تقرير عن اللقاء، يتضمن التصورات التى عرضها أعضاء الفريق، فى مجلة "إلكترونيك بوك ريفيو"، وهى مجلة محكمة دوليًّا، وذلك قبل انعقاد المؤتمر، بالإضافة إلى تقديم الفريق مقترحًا لنشر كتاب عن الأدب الإلكترونى العربي، يتضمن مجموعة مقالات عربية، على أن تنشر بالإنجليزية كذلك فى دار نشر عالمية هى "بلومزبيري" الأكاديمية. وسيكون الكتاب هو الأول من نوعه باللغة الإنجليزية، ويتألف من ترجمات لمقالات عربية أكاديمية مهمة.
 
وقد ناقش الفريق أيضًا، كما توضح الباحثة ريهام حسنى فى تصريحها، إمكانية إدراج "مشروع الأدب الإلكترونى العربي" (AEL) ضمن مشروع "سيل" (CELL) التابع لمنظمة الأدب الإلكتروني، والذى يعد اتحادًا عالميًّا لمجموعة من المراكز البحثية المهتمة بالأدب الإلكتروني، وقد صوتت منظمة الأدب الإلكترونى العالمية على رعاية المؤتمر الذى سيقام بجامعة روتشستر للتكنولوجيا بدبي.
 
ومن جملة النجاحات الأخرى أيضًا، مناقشة الفريق إضافات مهمة للمقرر الدراسى الذى يتم تدريسه فى جامعة روتشستر للتكنولوجيا بدبي، مثل إضافة محتوى جديد عن الأدب الإلكترونى العربي، كما شملت المقترحات تسجيل سلسلة من الفيديوهات على اليوتيوب لتقديم الأدب الإلكترونى العربي، لكى تستخدم كأدوات تدريسية، وأيضًا تصميم مقررات تعليمية تتاح على الإنترنت بالمجان، ومشاريع طلابية تدرس وتؤرشف الأدب الإلكترونى العربى بالتعاون بين الطلاب فى روتشستر ودبي.
 
يُشار إلى أن مؤتمر "الأدب الإلكترونى العربي"، من المنتظر انطلاقه خلال الفترة (25-27) فبراير 2018. وقد تقرر، مثلما توضح الباحثة ريهام حسني، اعتماد العربية والإنجليزية كلغتين رسميتين للمؤتمر، الذى يتناول أوراقًا بحثية بجانب عروض لأعمال أدب إلكتروني. كما تقرر تحديد جدول زمنى لتقديم الملخصات، والمراجعة والقبول، وتقديم الأوراق الكاملة، وآخر موعد لاستقبال الملخصات 24 يوليو 2017، والإشعار بقبول الملخصات 18 سبتمبر 2017، وآخر موعد لاستقبال الأبحاث 8 يناير 2018.

وتوضح الباحثة ريهام حسنى أن مؤتمر "الأدب الإلكترونى العربي" يحمل طموحات وتطلعات كثيرة للنهوض بالأدب الإلكترونى العربي، فعلى الرغم من أن الأدب الإلكترونى أدب وليد، فإنه يشهد تناميًا ملاحظًا فى جميع الثقافات، فى محاولة للاستفادة من معطيات الثورة الرقمية، وتوظيفها أدبيًّا بما يفتح آفاقًا جديدة للعملية الإبداعية. ومن الملاحظ أن الأدب الإلكترونى العربى يسير بخطوات بطيئة، نظرًا لضعف الجانب التقنى لدى الكثير من الكتاب العرب، والافتقار لثقافة التعاون بين الكاتب والمبرمج لإنتاج أعمال مشتركة. ومن هذا المنطلق، كان لابد من الاطلاع على الإنتاج الغربى فى هذا المجال، من أجل بناء تصورات سليمة عن موقع الأدب الإلكترونى العربي، على خريطة الأدب الإلكترونى العالمية.
 
بقيت إشارة أخيرة، توضحها الباحثة ريهام حسني، للتفرقة بين الأدب الإلكترونى "الرقمي"، ورقمنة الأدب، إذ توضح أن منظمة الأدب الإلكترونى العالمية قد عرفت الأدب الإلكترونى بأنه "أعمال ذات صفات أدبية مهمة، تستفيد من إمكانات، وسياقات الكمبيوتر، سواء كان متصلًا بالشبكة أو غير متصل"، أما رقمنة الأدب فتقتصر على "تحويله من الصيغة الورقية إلى الصيغة الرقمية"، مثل ملفات "الوورد" و الـ"بى دى إف" والملفات الصوتية بهدف حفظه من الضياع، وسهولة تداوله، وما إلى ذلك.
 

(36 موضوع)

تعليقات القراء

لا توجد تعليقات على الموضوع