أدب

الأسرة الرقمية

زجاجة فارغة من لا شىء.. ولحم يتمدد على الأريكة تخرج من بين اللحم زفرات متقطعة.. تتكوم قطعة اللحم فى جانب الاريكة.. تنتصب الأطراف تحاول أن تنهض هذة الكومة التى لا تتضح ملامحها.. لكنها تناضل حتى تقف على قدميها.
تتشكل على هيئة رجل قصير القامة مربع الجسد يحمل فوق كتفيه رأس ضخمة منكوش الشعر وأنف صغير لا يتلاءم مع الرأس الكبير.. يتسع فمه لقربة من المياه حتى وهو مغلق.
تنتابة نوبة من السعال المتصل.. ترتفع أوداجه وتنخفض فى تقطع متواصل.
تسيل الدموع بغزارة من عينيه الضيقتين حتى تكاد تحجب دموعه رؤية دواء السعال الذى وصفة لة الصيدلى أمس.
فهو لم يستطع مطاوعة صديقه الوحيد الذى نصحه بالذهاب الى الطبيب لأن حالته أصبحت تستدعى ذلك.. بعد أن استمرت نوبات السعال لأكثر من أسبوعين بلا توقف، واختلط البلغم بالدم.
تجرع متولى حوالى نصف زجاجة الدواء آملا فى الشفاء السريع.
متولى محدثا نفسة  (عطية لا يعرف كم اصبحت تذكرة الطبيب باهظة الثمن؟؟!
وأنا أحوج الناس لكل مليم اصرفة فى غير مسارة الطبيعى.
فالشافى هو اللة.
عطية طول عمرة مبذر وان المبذرين كانوا اخوان الشياطين.. لن اتركة يجعلنى انفق اموالى التى عانيت الأمرين حتى أدخرها للزمن الغدار..



لا أريد أحدا بجوارى فأنا قادرعلى العيش بمفردى فلم تحتمل زوجتى وأولادى أسلوبى فى الحياة الجميع يريد منى أن أنفق ما أملكة فى الهواء واتحول إلى إنسان متسول أستجدى الحسنة من الآخرين..
لولا قدرتى على الصمود فى مواجهتهم لما استطعت أن أكون كل هذة الثروة الضخمة التى تمتلأ حجرتى بها كم تزداد سعادتى كلما فتحت صندوقى الخشبى الكبير وقمت بعد الأوراق المالية..
كم أحب رائحة هذة الأوراق وأشعر أنها تغنينى عن عطور الدنيا وتشبع شهيتى عن تناول الأطعمة الدسمة التى تصيب أولئك الجائعين بالتخمة.. فالمعدة بيت الداء لم تستطع زوجتى أن تستمر فى تناول وجبة واحدة فى اليوم، واتهمتنى بالبخل لأننى نصحتها بالاعتدال فى تناول الطعام حتى لا يزداد وزنها وتحافظ على رشاقتها هؤلاء النساء لا هم لهن سوى سوى استنفاد طاقات الرجل فى المأكل والملبس والمشرب..

وكأن الرجل لم يخلق إلا لكى يعمل ليلا ونهارا وبعد أن يأتى بالنقود تصبح مهمة الزوجة الوحيدة هى الإنفاق فقط ..
 أما الادخار فهو أمر لا يغازل ذاكرتهن ..
حتى أولادى جميعهم فضلوا أن يتركونى وحدى ورحلوا مع أمهم بعد أن فشلوا فى تنفيذ مخطط والداتهم فى التهام ثروتى.
الآن أشعر بالراحة.. فالداواء يصيبينى بالدوار الخفيف لكنة لذيذ..
لا داعى للذهاب للعمل اليوم فعطية صديقى المخلص وسيتابع أعمالى فى الورش التى أمتلكها فى غيابى..
سبق أن اختبرت أمانتة ونجح فى الاختبار بجدارة فهو دائما لا يتطلع لمالى رغم أن دخله مازال لا يلائم عدد أفراد أسرته الكبيرة ..
لكنة مبذر حقا ..
سأنام وأنا مرتاح البال فالدواء له مفعول السحر ولو كنت ذهبت إلى الطبيب كما نصحنى صديقى المخلص لما زاد الطبيب على وصف هذا الدواء وأكون قد خسرت تلك الجنيهات التى سيأخذها ثمنا.. للا شىء !!
ارتفع صوت أنفاسه المريضة وعلت حشرجات صدره وانتظم تنفسه لكنه لم يخل من صوت الشخير الدائم.. وغط فى نوم عميق حتى شهيقه وزفيره علا على صوت أعمال البناء التى تجرى فى البيت المجاور لبيتة استمر عطية يعمل بجد وإخلاص فصديقه البخيل وصاحب العمل له حق عليه فى النهاية ولا ينبغى أن يهمل فى عمله وانتهى اليوم الثالث لغياب متولى عن عمله.. فساور عطية القلق على صديقه من ناحية.. وولى نعمته من ناحية أخرى فربما حدث له مكروه فرغم ما يتمتع به متولى من غنى يفوق قدرته عن استيعابه فلا يزال يسكن فى حجرة تحت الأرض فى أحد المنازل القديمة بلا هاتف ولا أى وسيلة اتصال.



هذه البيوت التى يقترب شكلها من العشش أكثر منها للبيوت لاهتراء بنائها المكون من ثلاثة طوابق، يشبه لون جدرانها لون الطين اللبنى وأصبح لزاما على عطية أن يذهب للقبو الذى يرقد فيه متولى للاطمئنان على صحته وهذا الأمر يصيبة بالتعب.. لأن الحى الذى يسكنه متولى فى أحد المناطق العشوائية البعيدة وكم كلفه الطريق الكثير من المشقة ولكنه كله يهون فى سبيل العيش والملح ..
وبدلا من أن يصعد السلالم كما يفعل عندما يعود إلى بيته هبط عشر درجات متآكلة وتفادى خلال هبوطه السقوط أكثر من مرة وظن أنها قد تعدت المئة..
طرق على الباب طرقات هادئة متتالية فجاءه صوت متولى بعيدا صعيفا فاترا من أى تعبير فلم يعرف هل هو صوت مريض أم صوت قادم من العالم الآخر ..
فأجابه أنا عطية يا متولى ..
متولى : أدخل الباب مفتوح منذ تركته ليلة أول أمس..
فتسائل عطية لماذا تركته كل هذه الفترة ؟ !
متولى فى خبث: لا يوجد ما أخشى عليه ماذا يأخد الريح من البلاط.. 
وهو فى قرارة نفسه يظن أن الناس لا يمكنهم أن يشكوا للحظة أنه محتفظ بجميع أمواله فى هذه الحجرة القميئة المظلمة.. إلا من لمبة جاز أحيانا تضاء وأحيانا يستعيض عنها بشمعة توفيرا لثمن الجاز ..
متولى : أنا متعب يا عطية نفسى استريح.. نفسى فى أكلة ترم العضم فأنت تعرف أن زوجتى هجرتنى هى وأولادى وتركونى وحيدا بلا ذنب أقترفته فمن أين لى بكل النقود التى تريدها منى ؟
فأنت أعلم الناس أننا نمر بأيام مرة كثيرة ويوم واحد حلو.. أليست الحياة على ذلك المنوال.. 
عطية على مضض : طبعا طبعا.. 
لكن لكل منا التزامات يجب أن يؤديها وكان عليك أن تتحلى بالصبر أكثر من ذلك.. 
متولى : دائما تأتى فى صفهم ضدى.. أنا لست مثلك لا اؤمن بالمثل القائل ( اصرف ما فى الجيب يأتيك ما فى الغيب ) 
فالدرس الوحيد الذى احفظة وعلمته لى الحياة أن القرش الأبيض ينفع فى اليوم الأسود.. 
عطية : على العموم سوف أحضر لك أكلة تفتكرنى بيها.. 
متولى بخبث : هو أنت معاك فلوس ؟ وقد أرتفعت دقات قلبه حتى كاد قلبه أن يتوقف.
عطية : اطمئن العزومة كلها على حسابى..
 
فبدأت عضلات قلب متولى فى العودة إلى مكانها الطبيعى ومازال صوت حشرجة صدره تصدر استغاثتها حتى تجد من ينقذها من بين ضلوع هذا البخيل الذى لا يتورع عن إيذاء أعضاء جسده ولا أن ينفق مليما على راحة هذه الأعضاء المسكينة.
متولى : صديقى الوحيد نفسى فى نفس سيجارة.. 
عطية : انت مريض والتدخين لحالتك سيقضى عليك.. 
متولى : سيجارة واحدة لن تضر منذ أسبوع لم أتناول سيجارة واحدة.. 
عطية : سيجارة واحدة فقط هى التى سأسمح بها لك لكن على شرط أن تدخنها بعد الأكل.. فلن يكون هناك سيجارة أخرى حتى لو توسلت إلى .
متولى : أومأ  برأسة علامة الموافقة..
خرج عطية لإحضار الطعام وترك متولى مع سيجارته الوحيدة والتى اعتبرها من ألذ الأشياء التى يحصل عليها لأنه لم يدفع فيها شيئا وسوف يستمتع بها.. مثلما سيستمتع بالوجبة الدسمة التى سيحضرها صديقة المبذر عطية.. 
ياله من أحمق فهو يصرف ما معة بدون مقابل. 
وراودت متولى حيلة ذكية لماذا لا يشرب هذة السيجارة وبعد الأكل لابد وأن يضطر عطية لتناول سيجارة وقتها سيلح عليه ليعطيه سيجارة أخرى .
وهم متولى بإشعال سيجارته التى اشتاق إليها طوال أسبوع كامل بدأت عضلات جسده تتمايل مع دخان السيجارة ورأسه تتزن ويخرج الدخان مهللا مما ساعد على تخدير أعصابه 
وحاول صدره الاستغاثة مما يفعله به لكن نوبات السعال أبت التعبير عن ضيقها ولم تنطلق حتى تذيقه الويلات بعد هذة التصرفات الصبيانية التى يقترفها فى حق صدره العليل ونفسه المقطوع ..
ما أحلى نفس الدخان بعد طول غياب وما أجمل ملمس الأشياء التى نملكها ولا ندفع فيها مليما واحدا. 
عندما انتهى من تدخين آخر نفس حتى شعر براحة غريبة كأنه قد شفى من مرضه ولم يتمالك إحساسه بالنعاس بعد أن بدأت أطرافةه يصيبها التنميل اللذيذ .
لم ينتبه إلى أن بقايا السيجارة التى مازالت عالقة بين أصبعيه كأنما تأبى أن ترحل مودعة يديه..
استسلم إلى النوم رغم شعوره بالجوع.. 



 مرت الدقائق بطيئة وصوت الشخير المتقطع يخرج من الأنف الصغير ويرتد إلى الفم الكبير فيرتفع صدره ويهدر.. 
تفقد أصابعه القدرة على الإمساك  ببقايا السيجارة التى مازالت مشتعلة فتنزلق وتسقط على كومة من الورق وبقايا ملابس كانت بجوار السرير الذى ينام عليه متولى.. 
تتعلق طافية السيجارة بإحدى الأوراق  وتلتحم الحرارة الصادرة منها فتحترق الورقة والأوراق التى تعلوها فتصنع حفرة كبيرة من الهالات السوداء وما يلبث أن يشتعل الورق المكوم ويتلامس هذا الشرر الخفيف فتتحول قطع القماش المتسخة بشحم الورش فيزداد الدخان وتنفذ ألسنة لهب صغيرة إلى كومة الملابس وتشتغل أكثر وأكثر وتتسلل الألسنة لتنقض على فراش متولى وتحيطه من كل جانب.. 
لا يشعر بشىء فهو مازال غارقا فى نوم عميق تختنق الحجرة بالدخان  لكنه قرر ألا يصحو من غفلته أبدا .
وتلتهم النيران التى تفرقت وانتشرت لتطال جميع محتويات الحجرة.. الأثاث البسيط المهلهل.. الملابس البالية.. 
بدأت النيران تزحف زحفا حثيثا إلى ذلك الصندوق الضخم الذى يحتل جزءا لا بأس به من الحجرة ويغطيه متولى ببعض الكراكيب والصناديق الفارغة حتى لا يشك أحد فى أمره إذا دخل أحدهم حجرتة..
وهذا الأمر نادرا ما يحدث !!!
تخرج النيران السنتها تشفيا فى هذا العجوز البخيل فينتفض جسده عدة مرات متتالية ويفتح عيناه بصعوبة بالغة وسط كتل الدخان فيقاوم هذة السخونة التى بدأت تلتحم بقدميه وظل يصرخ بكل ما أوتى من قوة.. فلوسى.. ممتلكاتى.. أولادى.. قرة عينى ..
حاول النهوض فلم يستطع أن يخطو خطوة واحدة بعد أن تحلقت النيران بسريره والتحمت بمحتويات فراشه ونفذت لأطرافه.. لكنه لم يهتم فالهم الأكبر هو إنقاذ ثروته التى طالما حرم نفسه من ملذات الحياة حتى يربيها وتزداد وتكبر.. لأجل خاطرها تخلى عن أسرته من روح ودم ليبقى مع أسرته الجديدة التى لا تعرف سوى لغة الأرقام والورق.. تلك الأرقام التى طالما أشعرته بالدفء فى ليالى البرد  ووفرت له الحماية من غدر الزمان بعد أن تركه الجميع ..
وصل صراخه ليصل عنان السماء فلم ترتعب النيران وتتوقف ولم تحن من محاولاته البكائية المستميتة .
حاول أن يتحرر من النيران التى تحيطة من كل جانب فنجح وجرى بكل قوته محاولا إنقاذ أسرته فلم يتمكن  !!
فكل أفراد أسرته قد لفظوا أنفاسهم الأخيرة ومن تبقى ظل يصارع تحوله الى رماد ..
لم يتمالك متولى عقله وحاول أن يطفئ النيران بيديه فاحترقت فما كان منه إلا أن ألقى بجسدة على صندوقه الغالى الذى يضم لبه وقلبه وحياته فالتحمت النيران بالورق واللحم بالدم واختلطت العظام برماد الأوراق النقدية ..
عندما حاول عطية والجيران إنقاذه لم يستطيعوا أن يفرقوا مابين ماهو آدمى وما هو بقايا أوراق نقدية.. حتى أنهم وجدوا بقايا لأوراق مالية وقد أنحشرت فى فم متولى 
مات متولى محترقا ورحلت أسرته الجديدة إلى الأبد !!!
 
 

 

تعليقات القراء

لا توجد تعليقات على الموضوع