أدب

أول كتاب فى تأديب الطفل..

"الأدب الوجيز للولد الصغير" لابن المقفع

لا ينكر أحد ما قدمه ابن المقفع لتراث العربية والإسلام من مؤلفات ومترجمات ككتاب كليلة ودمنة الذى ترجمه وأضاف إليه وصاغه بأسلوبه الفريد الجديد فى العربية فى زمانه وكتابيه الأدب الكبير والأدب الصغير وكتابه الرسالة اليتيمة التى لم تنشر كاملة حتى الآن، لأنها مفقودة، ومن الكتب المفقودة لابن المقفع التى عادت إلينا مؤخرا الرسالة التى نعرض لها الآن: الأدب الوجيز للولد الصغير. 
كتب ابن المقفع هذه الرسالة فى الأصل باللغة العربية ولكن هذا الأصل مفقود الآن، غير أنه كان قد ترجمه إلى اللغة الفارسية العلامة نصير الدين الطوسى (597 –672 ه) من علماء وأعلام القرن السابع الهجري، ترجمه وقدمه الطوسى إلى ناصر الدين أبى الفتح عبد الرحيم أبى منصور أمير إحدى المقاطعات الإيرانية فى عصره، وقد ظلت هذه الترجمة مخطوطة إلى أن قيض الله لها أحد أساتذة الأدب فى إيران فى العصر الحديث وهو العلامة عباس إقبال الآشتيانى ( 1896 -1956 م ) فنشرها بالفارسية كما هى وهو متردد فى نسبتها إلى ابن المقفع، ثم جاء أخيرا الأستاذ: محمد غفرانى الخراسانى, مدرس اللغة العربية بجامعة الأزهر، ونقل النص الفارسى إلى اللغة العربية دون أنى تردد، وهكذا ردت بضاعتنا إلينا . وقد نشرت رسالة (الأدب الوجيز للولد الصغير) باللغة العربية لأول مرة فى ستينات القرن الماضى .
 
أما كتاب "الأدب الوجيز للولد الصغير، فيعد كتابا، بل أول كتاب فى تأديب الطفل، ولن نبالغ إذا قلنا إن ابن المقفع هو رائد الكتابة للطفل فى أدبنا العربى، حيث أشار فيه ابن المقفع إلى "منزلة الأبوة ومكانة البنوة وحضّ (الولد) على قبول قوله وحفظ وصيته. ودعاه إلى التجلد والتحمل، وكسب الآداب فى صغر السن، والتعلم فى عنفوان الطفولة. وألا ينسى نصيبه من الدنيا، وأن يتفقد أعماله، وألا يجيز الأمهال على المهمات والدقيق والجليل من الأمور. وأن يلزم إتباع المحاسن واستعمالها. وترك المساوئ واجتنابها. وأن يقود لسانه الصدق" وهكذا يأخذ الكتاب شكل الرسالة كما نوهنا من قبل، رسالة مكونة من واحد وخمسين مقطعا أو فقرة، تبدأ جميعا بجملة : يا بنى . وكل فقرة أو مقطع عبارة عن نصيحة لهذا الولد الصغير أو الابن تهديه إلى الحق والخير وطريق النجاة فى الدنيا والآخرة. 


وسيلاحظ فى هذه النصائح ظهور خبرة ابن المقفع الشخصية بالناس ورجال عصره وتجربته مع حكام عصره، كذلك يبدو بوضوح تنوع ثقافة ابن المقفع وامتزاجها بالثقافات الأخرى، فهى خليط بين الثقافة العربية الإسلامية والثقافة الفارسية، ففى معظم هذه النصائح نقرأ شعرا مترجما عن الفارسية، مثلما نقرأ آيات من القرآن والحديث النبوى الشريف. 

بقى أن أشير إلى أن هذا الكتاب وثيقة مهمة تؤكد عمق ثقافة ابن المقفع الإسلامية، وإيمانه بهذه الثقافة ومن ثم مبادئ الدين الإسلامى الحنيف، مما يدحض أى تهمة تمس اعتقاد هذا العلم الكبير فى حضارتنا الإسلامية.
 
وفيما يلى ثلاثة نماذج من الكتاب تؤكد ما ذهبنا إليه.
(1) 
أى بنى: عين من أوقات عمرك أوقات موقوتة وساعات للإحراز ذخيرة الأخيرة، وإكثار رأس مال السعادة وإصلاح ما يكون مقصدك ومقصودك وميعادك وموعودك من أسر المعاد الذى لابد لأمثالك من بلوغه، ولا معدى عن وصوله، تحصل حظك ونصيبك من زاد المعاد وسعادة الآخرة وتبلغ من ذلك حاجتك, فتصل بذلك إلى الحاجات والمصالح الدينية وإصلاح أمور المعاش وتواد كما هو نص الكتاب المنزل ((وابتغ فيما أتاك الله الدار الآخرة ولا تنس نصيبك من الدنيا وأحسن كما أحسن الله إليك. 
(2)
 أى بنى: باعد عن نفسك الأفكار الدنيوية لأن من المعلوم والمقرر سرعة مفارقتها وعجلة تقلبها، وتحمل شدة وصعوبة المشاق والمكاره الدنيوية بتوقع الرخاء والسهولة والرفاهية الممولة والمتيقنة بعدها، لأنه سيكون للزهد والقناعة فى الدنيا بعد ذلك عوض نفيس وأجر جزيل حينما تكون حاجتك أكثر مما هى الآن :" فلا تعلم نفس ما أخفى لها من قرة أعين " 
(3)
 أى بنى – أحبب العقلاء وأصحاب الفطنة وعاشرهم والتزم طريقتهم واحتذيهم فى سيرتهم وحاول أن تحرز حظا من مجالستهم ومؤانستهم لأن سيرتهم بنيت على أساس الصدق والسداد وطريقتهم أرسيت على قاعدة الوضوح والاستقامة . 
 وإياك أن تعرف بين الناس بخلاف هذه العادات وضد هذه السجايا التى ذكرتها لك . ولا تؤالف ولا تلاطف قوما تتوقع أن تصيبك مضرتهم ولا يمكنك أن تثق فيهم وتأمل فى نفعهم لك فباعد نفسك عن معاشرتهم .
وأما الأحمق والجاهل فلا ترغب فى مودتهما والصداقة معهما، ولا تعاشر المغرور والعجب الذى يغالط نفسه حقاً فإن من يثق بكذب الخديعة مثله كمن يتابع أملاً فى الحصول على الماء "كسراب بقيعة يحسبه الظمآن ماء حتى إذا جاءه لم يجده شيئاً " ولا تجعل نفسك متبعاً لهواها ولا ترضى لمخادعتها وتلبيسها فإنها تضعف رأيك وتفسده وتحملك على أن تعسر فى أمرك وتخول لها اتباع الهوى والإعجاب والترحيب بها وأن تؤجل أمراً يجب فيه العجلة وأن تكل مهمة اليوم إلى الغد بسبب الغفلة والكسل..



وإن فاتك أمر وقلت فرصته من يدك فلا تكلف من نفسك الأمل فلا تجتنب اكتسابه ولا تدع للعجز والفتور أن يجدا طريقاً إلى قلبك: 

يرى الجبناء أن العجز عقل وتلك خديعة الطبع اللئيم
إذا غامرت فى شرف مروم فلا تضع بما دون النجوم
فطعم الموت فى أمر حقير كطعم الموت فى أمر عظيم
وعليك العزم فى تنفيذ رأيك وإمضاء إرادتك، لا ترغب فى المآرب الحقيرة ولا تطلب المقاصد الصغيرة فيضيع سعيك وتصاب بالخيبة والفشل فى جدك وجهدك وتستحق الحرمان وفوت المطلوب وقد جاء فى حديث النبى (صلى الله عليك وسلم): "إن الله يحب معالى الأمور ويبغض سفاسفها، أى أن الله يحب الأمور ذات القدر الخطير وينظر إلى تافه الأمور بعين السخط.

وبعد فما أحوجنا إلى قراءة كتاب الأدب الوجيز للولد الصغير قراءة واعية وقراءة أدب عبدالله ابن المقفع قراءة جديدة .

تعليقات القراء

1 تعليق
  • بيتا المتنبى -
    بواسطة : د.محمد عبدالحليم غنيم | بتاريخ 04-05-2018
    ذا غامَرْتَ في شَرَفٍ مَرُومِ فَلا تَقنَعْ بما دونَ النّجومِ فطَعْمُ المَوْتِ في أمْرٍ حَقِيرٍ كطَعْمِ المَوْتِ في أمْرٍ عَظيمِ