أدب

أدونيس.. الاسم والأزمة والهوية

أدونيس كشاعر لم يبهرنى مثلما أبهرنى صلاح عبد الصبور ونجيب سرور وأمل دنقل مع اختلاف التجارب، فقد أحسست أنه يريد اختلاق هوية ما لكنه اضطرب وتخبط وحاول أن يتحصن بالتجديد بعد أن صار التجديد كلمة ترهيب للمثقفين الذى ما أن ينطقها شاعر أو روائى أو فنان، فإذا بالكل يخضعون ويركعون ويخرون للأذقان ساجدين لكلمة التجديد تحت أى دعوى ولو كانت محض خطل أو تهافت ويكفى أن توجه لك التهمة بأنك عدو التجديد حتى تصبح مدانا.
لكن أدونيس فقد أصالته عمدا بيديه عندما ادعى الفينيقية وحاول أن يجعلها هوية ثقافية حضارية بالرغم من الانقطاع الحضارى الذى جعل من الفينيقية مجرد حضارة بائدة كحضارات عاد وثمود وطسم وجديس والفراعنة.
فقد ذابت الفينيقية فى الحضارات اليونانية والرومانية التى احتلتها كما احتلت بجيوشها أراضى فينيقيا نفسها واستولت على خيرها فى ماضيها قبل حاضرها ومستقبلها.



كما أن الأبحاث الجادة تعيد الفينيقيين إلى أصول عربية وهم الذين أمدوا اليونان بمبادئ الحضارة، لكنها مع الأسف انقطع تواصلها الثقافى الحى ولم يبق منها إلا القليل الذى تفردت به كإنتاج خالص يخلو من الشوائب، بينما كانت هى أساس ما قام من حواضر على سواحل الشمال الإفريقى والجنوب الأوروبي.
على أى حال مع عظمة الفينيقيين الذين جابوا العالم برا وبحرا إلا أن فينيقيا التى استمد منها أدونيس اسمه ليلفظ بها ابتداء هويته العربية التى تحسسها عارا وشناران قد خذلته ولم تسلمه لشيء ذى بال.
 فحتى اسم أدونيس نفسه ليس نطقا فينيقيا سليما بل هو النطق اليونانى لاسم الإله "أدون" أى السيد الذى مازال للآن يستخدم للدلالة على لفظ "السيد" فى العبرية، وقد تجد شبها بينه وبين "أتوم" إله عين شمس وهو عموما اسم مناسب للشاعر "على أحمد سعيد إسبر"، فأدونيس نفسه هو نتاج لعلاقة سفاح بين ملك أسطورى وابنته التى تشبه أفروديت "فينوس" فى جمالها التى تحايلت "عشتروت" حتى جعلته يطأها فى فراشه دون أن يعرف أنها ابنته وكان المولود أدونيس هو طفل الخطيئة الذى ورث جمال أمه الحسناء "ميرا" التى تحولت إلى شجرة البلسم كى تهرب من عارها.
ولكن المهم أن على أحمد سعيد اختار اسم أدونيس بالنطق اليونانى الذى طغى على أسماء الآلهة والملوك فى حارات الشرق القديم حتى كادت تنمحى أسماؤهم الحقيقية تماما كما كاد الناس ينسون اسم الشاعر الأصلى بعد أن لفظ أصالته مستبدلا بها هوية غابرة لعله سيلفظها إذا ما تأكد أنها إحدى تشكيلات الثقافة العربية التى يتعامل معها الأدعياء من المسوخ الثقافية على أنها ثقافة صحراء وعادات بدو ويستكبرون عليها دون أن يقدموا شيئا.


أدونيس ..على أحمد سعيد إسبر

ولكن إحقاقا للحق حاول أدونيس العودة للهوية الحقيقية التى فرضت نفسها عليه دينا ولغة وثقافة وضميرا ظل يؤرقه حتى بعد أن أوغل فى الثمانين من العمر، ولم يشأ أن يستغرب كما استغرب الكثير من بنى جنسه وخلعوا جلدهم الحضارى وحاولوا صبغ أنسجتهم بما أعده لهم سادتهم الغربيين من خليط ممسوخ يليق بالخدم.
لكنه مازال أسير المصكوكات الثقافية الغربية ويهرع إليهم وهو كاره، فصار الإله الفينيقى المبعوث فى القرنين العشرين والواحد والعشرين نتاج الحيلة المدنسة يبحث عن كهنة وعباد فلم يجد إلا فى دوائر المتهوسين بكل ما هو غربى بالرغم من رفضه للإطار الذى وضعوا أعناقهم فيه فظنوا أنهم أحرار وهم يسيرون كالعميان يعظمون ما هو قادم من الغرب مهما يكن تافها، ولو واجههم أدونيس لأنكرهم وأنكروه.


نشر بتاريخ 24 ابريل 2018

(27 موضوع)

تعليقات القراء

لا توجد تعليقات على الموضوع