أدب

أحمد بهاء الدين يواجه طه حسين حول قضايا المرأة

منذ أيام قليلة كانت ذكرى رحيل أيقونة الصحافة المصرية أحمد بهاء الدين فى 24 أغسطس، والذى عرفه الناس على مدى أربعة عقود من حياته الفكرية والسياسية والصحفية الثرية، بصفته الكاتب السياسى الأمهر والأعقل والأنظف، كانت له وجوه أخرى أدبية وثقافية وفكرية، ويعود ذلك إلى أنه فى عقد الأربعينيات من القرن الماضى، كان الصحفى الكبير محمد زكى عبد القادر، رئيس تحرير جريدة الأهرام آنذاك، وكان كذلك يصدر مجلة مستقلة شهيرة اسمها "الفصول"، وكانت المجلة ثقافية أدبية فنية اجتماعية بشكل عام، ولأن عبد القادر كانت مهامه الصحفية العارمة تشغله بشكل كبير، أعطى مهمة إدارة وتحرير المجلة للشاب المثقف أحمد بهاء الدين، خريج كلية الحقوق، والذى كان يقرض الشعر فى ذلك الوقت، ونشر بالفعل عدة قصائد له فى مجلات متنوعة.


أحمد بهاء الدين فى مكتبه

وكان بهاء الدين ابن جيل الأربعينيات، متأثرا بالثقافة الاشتراكية، وكان كذلك حوله أصدقاء درسوا معه فى كلية الحقوق، وعلى رأسهم عبد الرحمن الشرقاوى وفتحى غانم، فاستعان بهما ليشاركوا معه فى تحرير المجلة، وبالفعل قام غانم والشرقاوى بالكتابة بشكل شبه منتظم فى المجلة، وكذلك استعان بهاء الدين بكتاب طليعيين كانوا نشطين وفاعلين جدا فى الحياة الثقافية والفكرية آنذاك، وكان على رأسهم محمود أمين العالم وأحمد عباس صالح، الذين ملأوا الدنيا_فيما_ وشغلوا الناس.



ولأن المجلة كانت متنوعة، وثرية، وغنية بالمواد الصحفية والفكرية الطازجة، أصبحت معملا كبيرا لتجارب هؤلاء الشباب، فنشروا الشعر والقصة والتحقيق الصحفى فى مجالات شتى والترجمات، وكان بهاء الدنيا هو المايسترو اللامع فى المجلة بشكل خاص، والحياة الصحفية والأدبية بشكل عام.

وظل بهاء الدين يعمل فى هذه الورشة المتنوعة لفترة طويلة، حتى مطلع عقد الخمسينيات، واكتشفه الكاتب الصحفى إحسان عبد القدوس رئيس تحرير مجلة روز اليوسف، وفى غضون شهور قليلة، أصبح بهاء الدين الكاتب الأول فى المجلة، وكان عبد القدوس يكلّفه بمهام صحفية وسياسية كبرى فى المجلة، وفى أغسطس 1952 كتب بهاء الدين كتابا عنوانه "فاروق ملكا"، أى بعيد رحيل الملك بأسابيع قليلة، وقدمه إحسان عبد القدوس، وكان بهاء الدين فى الخامسة والعشرين من عمره، ورغم ذلك يعدّ الكتاب من المراجع السياسية المهمة لقراء تلك الفترة، والتعرّف بشكل قريب مما حدث للملك وثورة يوليو فى ذلك الوقت.

فى تلك الفترة كتب بهاء الدين فى شئون كثيرة، وأصدر عدة كتب فى التاريخ والأدب والسياسة، قبل أن يكون رئيسا لتحرير مجلة "صباح الخير" التى صدر عددها الأول فى 12 يناير 1956، وكانت كتبه تعنى بالتاريخ والأدب والثقافة بشكل عام، فكتاب "أيام لها تاريخ" تطرق فيه إلى كتاب على عبد الرازق "الإسلام وأصول الحكم"، كما أنه تطرق إلى الكتابة عن على يوسف المؤيد وزيجته المثيرة من صفية السادات، وهكذا، أما كتابه "مبادئ وأشخاص"، فاحتوى على فصول متفرقة عن مفكرين وأدباء من طراز عباس العقاد وطه حسين وآخرين، فضلا عن مقالات فى النقد الأدبى والفلكلور.

وربما يكون كثير من الناس يعرفون طرفا من تلك الأخبار، ولكنهم لا يعرفون اهتمام بهاء الدين بمجال تحرر المرأة، وربما يكون ذلك غائبا عن الدرس النقدى لبهاء الدين، لطغيان الجوانب الأخرى على حياة كاتبنا الصحفى الكبير، وجدير بالذكر أن لبهاء الدين كتابات شتى عن المرأة وحقوقها ورسالتها وتحررها، وأعرب عن ذلك فى ترجمته للرسائل التى كتبها الرئيس الهندى نهرو لابنته أنديرا.


طه حسين

ولن تكفى الإحاطة بجهود بهاء الدين فى مجال المرأة تلك السطور القليلة فى ذكرى رحيله العطرة، ولكننى سوف أختار مناسبتين بارزتين، شارك بهاء الدين برأيه وموقفه المحترم والطليعى.
الموقف الأول، حدث فى مطلع عام 1954 عندما ذهبت السيدة درية شفيق كى تعتصم بنقابة الصحفيين للمطالبة بحقوق المرأة فى الدستور، بعد تشكيل لجنة لوضع دستور جديد فى البلاد، ولم تنطو اللجنة على امرأة واحدة، ودون مناقشة ما أبدته السيدة درية شفيق، كتب د طه حسين مقالا حادا فى جريدة الجمهورية بتاريخ 17 مارس 1954، وكان عنوانه "العابثات"، وفى 18 مارس كتب الكاتبان عميد الإمام وحسين فهمى مقالين يناقشان فيه السيد العميد، فردّ عليهما طه حسين بمقال آخر عنوانه "العابثات 2"، وهاجم الكاتبين بقسوة، فما كان من بهاء الدين إلا أن كتب مقالا فى مجلة روز اليوسف بتاريخ 22 مارس عنوانه "الصائمات"، ودافع فيه عن درية شفيق وصاحبتها، ردا على د طه حسين، وبعد أن فنّد وجهة نظر السيد العميد، كتب "..ففى مثل هذا المجال يجب أن نبحث عن أثر إعطاء المرأة حقوقها السياسية، ولا أظن أن درية شفيق وصاحباتها قصدن بالصيام إلى إرغام الحكومة إرغاما مباشرا على إعطاء المرأة حقوقها..".

درية شفيق

ثم كتبت درية شفيق مقالا آخر فى العدد ذاته عنوانه "طه حسين .. وعواجيز الفرح"، وهاجمت كذلك الدكتور طه حسين، الذى لم يحتمل ذلك النقد، فكتب رسالة وجهها إلى رئيس التحرير إحسان عبد القدوس، استخدم فيها كل قواه اللغوية والسلطوية، ولم يأت فى جملة واحدة باسم درية احتقارا لها، ومن المدهش أنه أنهى مقاله بجملة مهينة للسيدة درية عندما لوّح بأن هناك من يكتب لها، إذ قال بالحرف، والخطاب موجه لرئيس التحرير "..أما بعد فإنى أشكر لكاتب ذلك الكلام الطويل إن أتاح لى فرصة قلت فيها ما قلت .. وأرجو أن تنصح للسيدة التى أمضت ذلك الكلام أن تحسن اختيار الذين يكتبون عنها.." !، ولكن بهاء الدين لم يترك الفرصة، فكتب مقالا نهائيا عنوانه "طه حسين .. يخطف"، وقال ما يفيد قضية تحرر المرأة، دون التعرض لشخص طه حسين الذى يجله.


أحمد بهاء مع زوجته

ومن بين مأثورات أحمد بهاء الدين فى مجال الدفاع عن حقوق المرأة، أصدرت دار المعارف كتاب "تحرير المرأة" لقاسم أمين، عام 1970، وكتب أحمد بهاء الدين مقدمة طويلة ورصينة ووافية، ولا يصلح اختصارها، ومن المفيد أن يعاد نشر الكتاب بمقدمة بهاء الدين، والتى تعدّ من أجمل وأبدع المقدمات التى كتبت لهذا الكتاب الرائد والتنويرى.

(12 موضوع)

تعليقات القراء

لا توجد تعليقات على الموضوع